السيد محمد الصدر
356
منة المنان في الدفاع عن القرآن
ثانياً : لو قلنا به فظاهر الآية هو وجود الألوان في طول الزلزلة ؛ فإنَّها عندئذٍ تكون كَالعِهْنِ المَنْفُوْش وليس قبل ذلك ، مع أنَّه قال : ( تلاشي الجبال بمختلف ألوانها ) يعني : السابقة على الزلزلة ، فهل تبقى بعد الزلزلة ذات ألوان ؟ ! بينما نحن نفسّر الآية بالعكس تماماً ؛ من حيث إنَّ التلوين لاحقٌ للزلزلة بحسب ظهور الآية ، وليس سابقاً عليها . ثالثاً : أنَّه لا يُراد من الآية التلاشي المطلق ؛ وإلّا لانمحت بالمرّة ، فلا عهن ولا ألوان ، في حين أنَّه نصَّ على أنَّها تكون كَالعِهْنِ المَنْفُوْش . وهذا يدلُّ على أنَّ التلاشي الذي فهمه السيّد الطباطبائي غير حاصلٍ ، وإلّا لم يمكن تسميتها بالصوف . إذن يبقى لها نحو وجودٍ ؛ كما قال تعالى : يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً « 1 » . إذن ، فكيف يكون الأمر هنا في الدنيا ، كما يكون في الآخرة ؟ وجوابه يكون على مستويين : المستوى الأوّل : يحصل لدى البلاء الدنيويِّ ، فيجد الفرد أنَّ الناس كلَّهم غير ملتفتين إليه وغير مهتمّين بأمره ولا قادرين على إزالة ضرره وإنقاذه من ورطته ، بل كلّ منهم مشغولٌ بحاله حتّى أفراد أسرته ، وهو معنى الشعور بالغربة أو الاغتراب الذي تحدّثوا عنه في علم النفس الحديث ، وهذا المعنى يتأكّد كلّما زاد البلاء .
--> ( 1 ) سورة الطور ، الآيتان : 9 - 10 .